فخر الدين الرازي
21
تفسير الرازي
ولا قبله ، وإنما وقعا معاً فكذا ههنا ، وقوله : * ( بياتاً ) * قال الفراء يقال : بات الرجل يبيت بيتاً ، وربما قالوا بياتاً قالوا : وسمي البيت لأنه يبات فيه . قال صاحب " الكشاف " : قوله : * ( بياتاً ) * مصدر واقع موقع الحال بمعنى بائتين وقوله : * ( أو هم قائلون ) * فيه بحثان : البحث الأول : أنه حال معطوفة على قوله : * ( بياتاً ) * كأنه قيل : فجاءها بأسنا بائتين أو قائلين . قال الفراء : وفيه واو مضمرة ، والمعنى : أهلكناها فجاءها بأسنا بياتاً أو وهم قائلون ، إلا أنهم استثقلوا الجمع بين حرفي العطف ، ولو قيل : كان صواباً ، وقال الزجاج : أنه ليس بصواب لأن واو الحال قريبة من واو العطف ، فالجمع بينهما يوجب الجمع بين المثلين وأنه لا يجوز ، ولو قلت : جاءني زيد راجلاً وهو فارس لم يحتج فيه إلى واو العطف . البحث الثاني : كلمة " أو " دخلت ههنا بمعنى أنهم جاءهم بأسنا مرة ليلاً ومرة نهاراً ، وفي القيلولة قولان : قال الليث : القيلولة نومة نصف النهار . وقال الأزهري : القيلولة عند العرب الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر ، وإن لم يكن مع ذلك نوم ، والدليل عليه : إن الجنة لا نوم فيها والله تعالى يقول : * ( أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلاً ) * ( الفرقان : 24 ) ومعنى الآية أنهم جاءهم بأسنا وهم غير متوقعين له ، أما ليلاً وهم نائمون ، أو نهاراً وهم قائلون ، والمقصود : أنهم جاءهم العذاب على حين غفلة منهم من غير تقدم إمارة تدلهم على نزول ذلك العذاب ، فكأنه قيل : للكفار لا تغتروا بأسباب الأمن والراحة والفراغ ، فإن عذاب الله إذا وقع ، وقع دفعة من غير سبق إمارة فلا تغتروا بأحوالكم . ثم قال تعالى : * ( فما كان دعواهم ) * قال أهل اللغة : الدعوى اسم يقوم مقام الادعاء ، ومقام الدعاء . حكى سيبويه : اللهم أشركنا في صالح دعاء المسلمين ، ودعوى المسلمين . قال ابن عباس : فما كان تضرعهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا أنا كنا ظالمين فأقروا على أنفسهم بالشرك . قال ابن الأنباري : فما كان قولهم إذ جاءهم بأسنا إلا الاعتراف بالظلم والإقرار بالإسارة وقوله : * ( إلا أن قالوا ) * الاختيار عند النحويين أن يكون موضع أن رفعاً بكان ويكون قوله : * ( دعواهم ) * نصباً كقوله : * ( فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ) * ( النمل : 56 ) وقوله : * ( فكان عاقبتهما أنهما في النار ) * ( الحشر : 17 ) وقوله : * ( ما كان حجتهم إلا أن ) * ( الجاثية : 25 ) قال ويجوز أن يكون أيضاً على الضد من هذا بأن يكون الدعوى رفعاً ، وإن قالوا نصباً كقوله تعالى : * ( ليس البر أن تولوا ) * ( البقرة : 177 ) على قراءة من رفع البر ، والأصل في هذا الباب أنه إذا حصل بعد كلمة كان معرفتان فأنت بالخيار في رفع أيهما شئت ، وفي نصب الآخر كقولك كان زيد أخاك وإن شئت كان زيداً أخوك . قال الزجاج : إلا أن الاختيار إذا جعلنا قوله : * ( دعواهم ) * في موضع